فلسفة المسافات : : لماذا نحتاج إلى الغياب لنفهم الحضور
الغرفة التي عشت فيها سنوات لا تلاحظ رائحتها، حتى تعود إليها بعد سفر طويل. الصوت الذي اعتدت سماعه يومياً لا تشعر بثقله إلا حين يصمت. والإنسان الذي يملأ حياتك لا تدرك كم يملأها فعلاً حتى يغيب.
الغياب ليس فراغاً. هو نوع من الضوء يكشف ما كان مختبئاً في الوضوح الزائد.
نحن نظن أن القرب يمنحنا الفهم، لكن القرب أحياناً يعمي. حين تكون قريباً جداً من لوحة، لا ترى إلا بقعاً من اللون. تحتاج خطوات إلى الخلف لترى الصورة كاملة.
المسافة ليست هرباً بالضرورة. قد تكون المسافة صمتاً مؤقتاً، أو يوماً وحيداً، أو مجرد لحظة توقف في منتصف الضجيج. ما يهم أنك تمنح نفسك الزاوية التي تفتقدها وأنت غارق في التفاصيل.
الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار كتب عن "الحنين" باعتباره وعياً بالمكان حين يصبح بعيداً. الحنين ليس ضعفاً، هو إدراك متأخر لقيمة ما عشناه دون أن ننتبه.
ربما لهذا تبدو بعض العلاقات أجمل في الذاكرة مما كانت في الواقع. ليس لأنها كانت ناقصة، بل لأننا كنا ناقصين. كنا بحاجة إلى مسافة كي نرى.
لست أدعوك إلى الابتعاد عمّن تحب. لكنني أقول: أحياناً، أن تمنح الأشياء مساحتها هو أعمق أشكال الاهتمام بها.
بعض الحضور لا يُفهم إلا من بعيد.