لحظة يقول فيها لنفسه بهدوء: الآن، أنا هنا.

 


في الخامسة والأربعين، لا يصبح الوقت عدوًا فجأة، بل يتحوّل إلى شيء خفيف، سهل الانزلاق. لم يكن الرجل الذي نتحدّث عنه حزينًا، ولا تعيسًا، ولا فاشلًا. كان فقط… منشغلًا أكثر مما ينبغي. منشغلًا بشاشة صغيرة، تسكن كفّه، وتسرق منه اليوم دون أن تترك أثرًا واضحًا للسرقة.


رجل عادي… أكثر مما تتخيّل

هو رجل يشبه كثيرين. يستيقظ صباحًا، ينهض بهدوء، ينجز ما يجب إنجازه. لا دراما في حياته، ولا أحداث كبرى تُروى. ملامحه مألوفة، صوته ثابت، وخطواته محسوبة.
لكن ما لا يُرى بسهولة هو ذلك الشعور الخافت الذي يرافقه: أن الأيام تتشابه أكثر مما ينبغي، وأنه حاضر جسديًا… وغائب ذهنيًا.


يوم يبدأ من الهاتف

قبل أن يلمس الأرض بقدميه، يكون قد لمس الهاتف. لا يفعل ذلك بوعي، بل بعادة. أخبار سريعة، منشورات عابرة، صور لا يعرف أصحابها.
يقول لنفسه: دقائق فقط.
تمرّ الدقائق، ثم نصف ساعة، ثم ساعة لا يشعر بها.

لا شيء محدد يبحث عنه، ولا شيء محدد يجده. فقط هذا الإحساس بأن هناك دائمًا شيئًا جديدًا قد يفوته إن أغلق الشاشة.


العالم الرقمي… حيث لا صمت

في مواقع التواصل، لا فراغ. دائمًا صوت، صورة، رأي، جدل.
يشاهد حياة الآخرين تمرّ أمامه مصفوفة ومنسّقة: نجاحات، ابتسامات، سفر، إنجازات. يعرف أن كثيرًا منها مُبالغ فيه، ومع ذلك يتأثر. ليس حسدًا، بل مقارنة صامتة لا يعترف بها.

يبتسم أحيانًا، يعلّق أحيانًا، ثم يعود إلى وضع المتفرّج. مشارك بلا مشاركة حقيقية.


ما تغيّر دون أن ينتبه

قبل سنوات، كان للوقت طعم مختلف.
كان يشعر بالملل أحيانًا، لكنه كان مللًا صحيًا؛ يدفعه للقراءة، للتفكير، للمشي بلا هدف.
اليوم، الملل لم يعد مسموحًا. يُقتل فور ظهوره بفتح الهاتف.

لم يخسر علاقاته فجأة، لكنها أصبحت أخفّ.
لم يخسر نفسه مرة واحدة، لكنه تباعد عنها خطوة خطوة.


حين ينطفئ الهاتف

في لحظات نادرة، عندما يضع الهاتف بعيدًا، يشعر بشيء يشبه الفراغ… ثم بشيء أعمق.
يسأل نفسه دون صوت:
متى آخر مرة عشت يومًا كاملًا دون أن أهرب منه؟

لا يشعر بالذنب، بل بنوع من الحيرة. كيف أصبح الوقت قصيرًا إلى هذا الحد؟ وكيف مرّت سنوات دون أن يلاحظ تفاصيلها الصغيرة؟


الخاتمة: لا اتهام… بل وعي

هذه ليست قصة إدانة لمواقع التواصل، ولا دعوة للانفصال عنها.
هي فقط حكاية رجل أدرك متأخرًا أن الحياة لا تُقاس بعدد ما نراه على الشاشات، بل بما نعيشه خارجها.

التوازن لا يعني أن نغلق الهاتف، بل أن نعرف متى نفتحه… ومتى نتركه جانبًا.
أن نكون موجودين فعلًا، لا فقط متصلين.

ربما كل ما يحتاجه هذا الرجل — وكل من يشبهه — هو أن يستعيد لحظة انتباه صادقة،
لحظة يقول فيها لنفسه بهدوء:
الآن، أنا هنا.