كان يجلس في زاوية الفصل، لا يرفع يده ولا يتكلم. معلمته تظنه كسولاً، وزملاؤه يظنونه غريباً. لكن الحقيقة أن أحداً لم يسأله يوماً: كيف حالك في البيت؟
كبر هذا الطفل. صار رجلاً يعمل ويتحدث ويضحك في المناسبات. لكنه لا يزال يجلس في زوايا الغرف، ولا يزال يصمت حين يجب أن يتكلم، ولا يزال يشعر بشيء ما يشده للخلف كلما أراد أن يتقدم.
الطفولة المرعبة لا تنتهي حين تكبر. تنتهي حين تراها.
نحن كثيراً ما نحمل جروحاً لا نعرف اسمها. نسميها "طبيعتي" أو "هكذا أنا"، ولا نفكر أن ثمة لحظة قديمة علّمتنا أن نكون هكذا. لحظة كان فيها طفل صغير يحاول أن ينجو فقط.
ما يؤلم في الطفولة الصعبة ليس الألم وقتها فحسب، بل أنها تبني داخلنا قواعد للحياة لم نختَرها. تقول لنا: الحب يؤلم، أو الصمت أسلم، أو أنت لست مهماً بما يكفي.
ونحن نكبر على هذه القواعد كأنها حقائق.
الخطوة الأولى نحو التحرر ليست نسيان ما جرى. بل أن تنظر لذلك الطفل داخلك وتقول له: ما حدث لم يكن خطأك. وكان يستحق أكثر مما حصل عليه.
أحياناً هذه الجملة وحدها تكفي لتبدأ شيئاً جديداً.