وجبات رمضانية








قبل أذان المغرب بنصف ساعة، يهدأ ضجيج الشارع تمامًا وتنتقل الحياة إلى المطابخ. في بيوتنا، كانت رائحة "شربة الحب" والسمبوسة هي البوصلة التي تخبرنا أن الوقت قد حان. فجأة، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. فتحتُ لأجد ابن جاري الصغير يمد يده بصحن مغطى بمنديل ورقي، ويقول ببراءة: "أمي تقول لكم ذوقوا فولنا اليوم".

في تلك اللحظة، لم يكن الصحن مجرد وجبة إضافية على السفرة المزدحمة. كانت "الطُّعمة" كما نسميها في حاراتنا، هي الرسالة التي تقول: نحن هنا، ونشعر بكم. أخذت الصحن وأنا أبتسم، وتذكرت كيف أننا نقضي ساعات في ترتيب أطباقنا الفاخرة وتنسيق الأصناف، بينما يبقى أطيب ما نأكله هو ذلك الذي جاءنا بـ "نفس" طيِّبة ومن يدٍ لا ترجو إلا المودة.

نحن لا نجوع للخبز أو التمر في رمضان، بل نجوع لهذا التواصل الإنساني البسيط. الوجبة الرمضانية الحقيقية ليست مجرد أصناف تُصفّ بعناية، بل هي ذاكرة تُبنى من رائحة البيوت المفتوحة لبعضها. عندما نتبادل الأطباق، فنحن في الحقيقة نتبادل قطعًا من قلوبنا، ونخبر الآخرين أن مائدتنا لا تكتمل إلا بذكرهم، وأن "حق الجيرة" ما زال يفوح مع كل لقمة

اجلس الليلة على مائدتك، وانظر إلى تلك الأطباق الصغيرة التي وصلت إليك من هنا وهناك. ستكتشف أن جمال الوجبة ليس في توابلها، بل في كونك "على بال" أحدهم وسط انشغاله بلقمته. فما أجمل أن نأكل ونحن نشعر أننا لسنا وحدنا في هذا العالم.