خربشات على ورق قديم: حين كانت السعادة في "حياة" بسيطة.






هل جلست يوماً بمفردك، وفجأة، شممت رائحة خبز حار أو لمحت لوناً في السماء وقت الغروب، وشعرت أنك عدت ثلاثين سنة إلى الوراء؟ يحدث هذا كثيراً حين نقترب من منتصف العمر ونبدأ بفرز ذكرياتنا كأوراق قديمة في درج منسي. نكتشف حينها أن الطفولة لم تكن مجرد مرحلة زمنية، بل هي الخامة الأولى التي صُنعنا منها، ولا تزال عالقة في ملامحنا مهما حاولنا التظاهر بالوقار.

أتذكر يوماً في حارتنا القديمة، كانت الشمس توشك على المغيب، والغبار يتراقص في الطرقات وبين البيوت. كنا مجموعة من "البزورة" نلحق بكورة قديمة، وفي تلك اللحظة، نادتني أمي من النافذة: "يا ولد.. قوام تعال، العشاء جاهز". تلك "الحياة" البسيطة لم تكن مجرد دعوة للأكل، بل كانت إعلاناً بالأمان؛ أن هناك من ينتظرك، وأن هناك مكاناً تنتمي إليه مهما ابتعدت في خيالاتك.

دخلت البيت، وكان والدي يجلس في مكانه المعتاد وبجانبه كوب الشاي "المنعنع". شعرت حينها أنه عملاق يملك حلولاً لكل مشكلات الوجود. اليوم، ونحن نربي أبناءنا، ندرك أن ذلك العملاق كان رجلاً يكافح ليؤمن لنا الأمان الذي شعرنا به، وكان يحمل هموماً لم نكن ندرك حجمها ونحن منغمسون في لذة اللعب بالتراب.

حين نكبر، نفقد "الدهشة" والقدرة على رؤية المعجزات في الأشياء الصغيرة. نركض خلف أهداف والتزامات، وننسى أن السعادة كانت في ذلك الفراغ الذي نملأه بالذكريات. أراقب أحياناً ابنيّ (11 و7 سنوات) وهم يلعبون، أرى الضحكة الصادقة لمجرد نجاح بسيط، فأدرك أننا نحن من يحتاج لتعلم الحياة منهم. هم يعيشون اللحظة بكامل طاقتها، لا يحملون ثقل "أمس" ولا قلق "بكرة".

نحن بحاجة لاستعادة الطفل الذي يسكننا، لنحمل المسؤولية بقلب أخف. الاستغناء الحقيقي يبدأ بترك الأحمال الثقيلة والعودة للبساطة التي كانت تجعلنا نكتفي برفيق مخلص وساحة واسعة للركض.

الطفولة هي البوصلة التي تذكرنا بمن نكون حقاً حين تنقشع عنا غبار الألقاب. تلك الأيام علمتنا الصدق، وأن كرامتك هي أغلى ما تملك. وحين تأوي إلى فراشك وتغمض عينيك، قد تعود لا إرادياً لذلك الصبي الصغير. يبتسم لك، ويخبرك أن أحلامك التي رسمتها على ورقك القديم لم تضع، بل هي التي أبقت قلبك نابضاً بالحياة حتى اليوم.