ليالي الصالحية الرمضانية

 



في أزقة الصالحية، لرمضان رائحة لا تخطئها الحواس. هي خليط بين بخور "المستكة" المنبعث من روازن البيوت، وضحكات الأطفال وهم يركضون في الممرات الضيقة. هنا، الزقاق قد يضيق بساكنيه، لكن الصدور تظل وسيعة تسع الغريب قبل القريب.

أتذكر جيداً العم "أبو حامد"، بمركزه الخشبي العتيق الذي لا يغادر عتبة بيته. كان يضع بجانبه "دورة" ماء فخارية وجك "سوبيا" بارد، وكلما مرّ شاب يسرع الخطى ليلحق بموعده، ناداه بصوته الدافئ: "يا واد، تعال بل ريقك، الدنيا ملحوق عليها". لم يكن يوزع شراباً فقط، بل كان يوزع الطمأنينة في قلوب العابرين. في تلك اللحظة، تشعر أن غبار التعب يزول بمجرد أن تلمس عيناك ابتسامته الصادقة التي تقول لك إن كل شيء سيكون بخير.

هذا الموقف البسيط يجعلك تتأمل حالنا؛ متى فقدنا هذه القدرة على التوقف وملاحظة بعضنا البعض؟ في ليالي الصالحية، نكتشف أن رمضان ليس مجرد عبادات تؤدى، بل هو استرداد لإنسانيتنا التي نسيناها في زحام المدن الكبيرة. نحن بحاجة لهذا الهدوء، لهذه الـ "جمعة" التي لا تتطلب منا الكثير، فقط كلمة طيبة تجبر خاطر عابر، أو جلسة قصيرة على عتبة باب تذكرنا بأننا ما زلنا بخير.

تمضي الليالي، وتتغير بعض الملامح، لكن يبقى الشعور بالأمان في تلك الشوارع هو البوصلة. حين تسير هناك بعد صلاة التراويح، وتسمع تبادل السلام والتهاني وكأن الجميع عائلة واحدة، تدرك أنك لست وحيداً. إنها الصالحية، حيث البيوت تحكي قصص الصبر، والقلوب فيها تنبض بروح "الجيرة" التي لا تشيخ أبداً.