أجواء الصيام





في أحد أيام رمضان، كنت جالسًا في المسجد قبل المغرب بدقائق. إلى جواري رجل كبير في السن، كان يمسك مسبحته ويحرك شفتيه بدعاء لا نسمعه. المسجد كان هادئًا، لكنه ممتلئ بتلك الطاقة اللي ما تنوصف. الأطفال يركضون في صحن الجامع، والنساء يجهزن التمر والماء في الزوايا المخصصة لهن. الكل ينتظر الأذان.

فجأة، وقف الرجل الكبير والتفت لي وقال بصوت خافت: "يا بني، أكبر نعمة في الصيام إنك تحس بالناس." كلمته وقفت عندي. مو بس لأنه قالها بصدق، لكن لأني حسيت فيها. حسيت بكل اللي حولي. العائلة اللي ما عندها ما تفطر، والعامل اللي لسى في طريقه للبيت، والجار المسن اللي يعيش وحيدًا. الصيام ما كان مجرد امتناع عن الأكل والشرب، كان جسر يخلينا نشوف بعضنا بشكل مختلف.

هذا الشعور، إنك تكون جائع وعطشان وترى غيرك بنفس الحال، يفتح في قلبك مكان جديد. مكان ما كنت تعرف إنه موجود. تبدأ تفكر بالعطاء بشكل مختلف، مو بس بالمال، حتى بالكلمة الطيبة، بالابتسامة، بالوقوف مع اللي يحتاج. يصير عندك استعداد تشاركهم همومهم، لأنك عشت جزء بسيط من معاناتهم اليومية.

مع أذان المغرب، وقبل ما نبدأ الإفطار، حسيت إن الأجواء حولي مو بس أجواء أكل وشرب. كانت أجواء مشاركة وتفاهم صامت بين كل هالناس. كأن الصيام علّمنا كلنا، ولو للحظات، إننا وحدة واحدة. وإن الجوع والعطش مش بس عبادة، هو رسالة إنو الإنسان يقدر يحس بإنسانيته، ويحس بإنسانية اللي حواليه، بشكل ما كان يقدر عليه من قبل.