لا أعرف لماذا أشعر برغبة ملحة اليوم للكتابة هنا، بعيداً عن صخب منصات التواصل السريع حيث يختفي المنشور قبل أن يكتمل معناه. ربما لأنني بلغت الخامسة والأربعين، أو ربما لأنني اشتقت لرائحة الورق الافتراضي هذا، حيث الكلمات تبقى، وتنتظر.
في هذا العمر، تكتشف فجأة أنك لم تعد ذلك الشاب الذي يريد إصلاح العالم بصراخه، ولست ذلك العجوز الذي يكتفي بالمراقبة من الشرفة. أنت هنا، في المنتصف تماماً. تحمل حكمة من سبقوك، وقلق من سيلحقون بك. مرحلة غريبة، أليس كذلك؟ كأنك تقف على جسر؛ ترى الضفة التي غادرتها بوضوح، وترى الضفة التي تتجه إليها بضبابية محببة.
لطالما سميت هذه المساحة "أفكار على ورق"، رغم أنني أكتب على لوحة مفاتيح. لكنني أومن أن "الورق" ليس مادة، بل حالة. الورق هو التمهّل. هو أن تسمح لفكرتك أن تختمر قبل أن تطلقها. في العشرينيات، كنا نكتب لنثبت وجودنا. اليوم، في الخامسة والأربعين، نكتب لنتأكد من أننا ما زلنا نشبه أنفسنا، ولم تغيرنا الأيام أكثر مما ينبغي.
أجلس الآن، وكوب القهوة بجانبي -الذي صار رفيقاً ضرورياً لا كمالياً- وأفكر: ماذا بقي في جعبتنا لنقوله؟ الحقيقة أننا نملك الكثير. نملك قصص الفشل التي علمتنا أكثر من النجاح، نملك الخيبات التي صقلت أرواحنا وجعلتها أكثر لمعاناً، ونملك تلك القناعة الرائعة بأن "راحة البال" أهم بكثير من "إثبات وجهة النظر".
هذا المقال ليس نصيحة، ولا درساً، ولا حتى خاطرة أدبية منمقة. هو مجرد مصافحة هادئة لكل من يمر من هنا. لكل من يشعر أن العالم يركض أسرع من اللازم، ويقرر بملء إرادته أن يبطئ الخطوة.
دعونا نكتب، لا لنغير العالم، بل لنرتب الفوضى بداخلنا. دعونا نضع "أفكارنا على ورق"، لنعود إليها يوماً ما ونبتسم، قائلين: "كنا هنا.. وكنا حقيقيين جداً".
طاب مساؤكم، وطابت أفكاركم.